في الإنتخابات النيابية العام 2005 تم تخصيص صندوق إنتخابي للبنانيين اليهود في بلدة دير القمر حيث عدد المسجلين على لوائح الشطب تعدى المائة إسم، فصوّت واحد منهم ورقة بيضاء.
يهود لبنان سكنوا بيروت فكان لهم بيوتهم وأراضيهم وأرزاقهم وتبدلت أحوالهم مع تبدل الأوضاع اللبنانية. فاختفوا إمّا بسبب الهجرة أم بسبب الخوف من اتهام بالخيانة والعمالة لإسرائيل.
فإن حاول بعضهم تزييف التاريخ أو تحويره فإن أكبر اثبات لوجود اللبنانيين اليهود هو ما تبقى من تراث لهم في وسط بيروت على رغم عملية الإنماء والإعمار التي جرفت بعض معالمه.

يعود الوجود اليهودي في البلاد العربية، وضمنها لبنان الى موجات متتالية اقدمها في القرن السادس قبل الميلاد. ثم كانت الموجة اليهودية الكبرى من اسبانيا بعد زوال الحكم العربي فانتشر القادمون اليهود في البلاد العربية حتى اسيا الصغرى واصبحت العربية اللغة المشتركة بينهم وبين يهود البلاد القدامى.

ثم بدأت مع بداية القرن التاسع عشر هجرة اليهود من شرق اوروبا الى الدولة العثمانية وقد زادت هذه الهجرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتوجهت مع ظهور الحركة الصهيونية في بازل في سويسرا في عام 1897 نحو فلسطين.
ويقسم يهود البلاد العربية الى فئتين: الاولى: فئة اليهود الحاخاميين، والثانية: الفئة التي تضم جماعة القرائين وفرقة السامرين.

ولا يمكن معرفة عدد اليهود في البلاد العربية بدقة قبل عام 1948. وقد قدرت الوكالة اليهودية عددهم (باستثناء يهود فلسطين) في الاحصاء الذي قدمته الى لجنة التحقيق الانكلو- اميركية عام 1946 بنحو 800 الف يهودي. إلا ان احصاءات اخرى اكثر دقة تشير الى ان عددهم كان يراوح بين 644 الفا و701 الف، وكانوا موزعين في الاقطار العربية المتعددة، اما عدد يهود فلسطين عام 1948 فكان 608,00 نسمة، وعدد العرب 1,267,000 نسمة. وكان عدد اليهود في لبنان في العام 1924 نحو 6,261 نسمة. وزاد عددهم بعد عام 1947 بقدوم مهاجرين يهود من سوريا فبلغ 11,000 نسمة عام 1955 وهاجر الى اسرائيل 6000 يهودي.

وقد اندمح يهود البلاد العربية، وخاصة لبنان، في حياة البلاد وتمتعوا بجميع الحقوق التي تمتع بها المواطنون العرب. وهذا امر لم يتوافر لليهود في اي مكان اخر. ففي الوقت الذي عاشوا في اوروبا داخل اطار الغيتوا وتعرضوا للاضطهاد الديني كانوا في البلاد العربية، خصوصًا في لبنان، يشعرون بانهم جزء من المجتمع المحلي مع احتفاظهم بحريتهم الدينية وتراثهم وانتمائهم الطائفي.

وتمتع اليهود في لبنان ايام العثمانيين بحرية رعاية شؤون طائفتهم واعترف صك الانتداب بحقوق الطوائف الدينية. وكان المجلس الملي في بيروت يتولى ادراة شؤون الطائفة اليهودية.

وقد عملت غالبية اليهود في لبنان بالتجارة والصيرفة والصناعة والمهن الحرة والسياحة والترفيه، ووصل بعضهم الى مراكز عالية في دوائر وزارة الاقتصاد، كما امتلك عدد منهم اراضي في جنوب لبنان.

وشكل اليهود القدامى في لبنان الطبقة العليا اجتماعيا. اما القادمون من سوريا فشكلوا الطبقة الوسطى. وعلى رغم تأثرهم بالمدنية الفرنسية، فان معظمهم اندمج في المجتمع اللبناني. وكانت لهم مدارس خاصة طورت مناهجها مثل المدارس الاجنبية، كما انشأت مؤسسة “الاليانس” اليهودية المدارس التي كانت تعلم بالفرنسية الى جانب العربية والعبرية، بالاضافة الى المدارس الدينية ومركز للتدريب المهني، وقد التحق عدد من اليهود بالجامعتين الاميركية واليسوعية في بيروت.

منح الدستور اللبناني في العام 1926 اليهود كغيرهم من الطوائف، الحقوق الادارية والسياسية الكاملة كما عبر المجلس الملي اليهودي عن ولائه للبنان. ولم تمنع اجراءات الامن اثناء حرب 1948 اليهود من الاستمرار في اعمالهم التجارية، ودعا ممثلوهم الى جمع التبرعات لمناصرة القضية الفلسطينية والى استنكار الصهيونية. وقد الغيت الاجراءات الامنية الاحتياطية اللبنانية ضد اليهود بعد حرب فلسطين في العام 1948. وفي اجتماعات لجنة الهدنة اللبنانية- الاسرائيلية عام 1949 سمح لعدد محدود من اليهود الهجرة من لبنان.

حرص العرب في صراعهم مع الحركة الصهيونية على التمييز دائمًا بين المواطنين اليهود الذين عاشوا معهم على مر العصور واليهود الصهيونيين الذين حملوا الفكرة السياسية المتمثلة في الدعوة الى الوطن القومي اليهودي.

ومع ذلك، فقد وجهت الحركة الصهيونية، ولا سيما بعد قيام اسرائيل عام 1948، حملة مركزة لزعزعة وجود اليهود في مجتمعاتهم العربية وحملهم على الهجرة الجماعية الى اسرائيل لدعم قدراتها البشرية والاقتصادية. واخذت الدراسات الاسرائيلية تركز على اوضاع الطوائف اليهودية في البلاد العربية وتظهرها مجتمعات منفصلة تعيش في الدياسبورا وتنتظر العودة الى “ارض الميعاد”.

وظلت احوال اليهود في لبنان مزدهرة بعد عام 1948. الا ان اسرائيل قامت بحملة اعلامية واسعة في المحافل الدولية بحجة التدقيق في اوضاع يهود لبنان، ودبرت بعد العام 1965 خطة لحمل عدد من العاملين في الشركات والمصارف اللبنانية على تصفية اعمالهم في لبنان لزعزعة اقتصاده. واما ما حدث من هجرة يهودية من لبنان (هاجر من لبنان خلال الفترة 1948 و1972 الى اسرائيل نحو 6000 يهودي) فكان للبحث عن فرص افضل، ولا سيما عند يهود لبنان وسوريا والعراق وايران الذين هاجر قسم منهم الى استراليا والاميركتين بارادتهم ولم يستجيبوا لمحاولات اسرائيل جذبهم اليها.

لا يزال اليهودي في لبنان يتمتع بالحقوق نفسها التي كان يتمتع بها قبل قيام اسرائيل، اذ ان باستطاعته ممارسة حقه في الانتخابات النيابية. ويصل عدد اليهود في لبنان إلى 500 فقط يعيشون في المجتمع اللبناني في المناطق ذات الأغلبية المسيحية.

أما في ما يتعلق بمساكنهم وتراثهم، فلم يبق من يهود لبنان سوى كنيس قديم هو ماغن دايفد ابراهيم يقع بمحاذاة القصر الحكومي جدرانه تآكلت بفعل مرور الزمن وقرميده تصدع فبرزت هياكله الداخلية، ومدرسة عبرية مهجورة ومقبرة حفرت على أضرحتها أجزاء متقطعة من تاريخهم تزوره من وقت إلى آخر نساء مسنّات.
كما يوجد في بلدة دير القمر أقدم كنيس يهودي في لبنان إلا أنه مقفل منذ حوالي 33 سنة، أما في طرابلس وبحمدون وصيدا، فلا يزال هناك معابد مهجورة أُقفلت أيضاًَ منذ اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975.
عند عبور الوسط التجاري يصادف معبد اليهود الذي شيد قبل أكثر من قرن حين كانت الجماعات اليهودية منتشرة بكثافة في بيروت حيث كان مقرهم الأساس. لكن اليوم تبدلت معالم المدينة وبات لها اسمًا لا يمت بصلة إلى هذه الجماعة التي سكنت أحيائها. حتى منطقة وادي اليهود استبدل اسمها بوادي أبو جميل وما يزال البيروتيون القدماء يتمسكون بالتسمية الأولى التي أصبحت جزءا من الذاكرة القديمة. إلى ذلك وضعت وزارة السياحة يدها على المباني الأثرية، إضافة إلى تولي شركة سوليدير جرف معبدهم في وسط العاصمة لتعيد بنائه وفقا لتشييد عمراني جديد. ويقال ان اليهود قبضوا تعويضاتهم من شركة سوليدير مباشرة من العاصمة الفرنسية بعد ان هاجروا ولم تعرف وجهة هجرتهم. وقد أوضحت أخيرًا شركة “سوليدير” أن الكنيس اليهودي سوف يرمم من قبل القيمين على الطائفة اليهودية من اللبنانيين المقيمين في لبنان، الذين يمكنهم تأكيد صحة هذا الامر، اسوة بسائر المباني الدينية في وسط بيروت التي تم ترميمها من قبل طوائفها المعنية. ويعود لهؤلاء القرار بتوقيت تنفيذ عملية الترميم. كما ان المحافظة على الكنيس اليهودي تدخل في اطار مشروع اعادة اعمار وسط بيروت الذي يتضمن في عناوينه الرئيسية المحافظة على أماكن العبادة لمختلف الطوائف وكذلك على المباني التراثية والمواقع الاثرية.

تضم لوائح الشطب في زقاق البلاط، 71 يهودياً يعرّف عن بعضهم بأنهم موسويون وعن البعض الآخر بأنهم اسرائيليون. وفي منطقة المصيطبة، توجد سبع عائلات يهودية مدرجة على لوائح الشطب ومجموع أفرادها لا يتجاوز الأربعين يهودياً.

وهذه نقاط أثارت الصحافة اللبنانية في الانتخابات النيابية في العام 2000 لما تحمله من اعتراف مبطن بدولة إسرائيل. وتتضمن اللوائح الصادرة، يهوداً ولدوا عام 1898 ومن المحتمل انهم ماتوا قبل عقود من دون ان يوفيهم احد في الدوائر الرسمية اللبنانية. وتتوقف اللوائح عند العام 1968 حيث لم تدرج اي اسماء جديدة بعد ذلك التاريخ.

من اهم العائلات اليهودية المدرجة على اللوائح سرور، درويش، زيتوني، ليفي، مثلون، بيخار وكوهن. اما الاسماء المتداولة بينهم فكانت معظمها عبرية مثل اسحاق، كليمان، يعقوب، استير، روبيكا ونينت.
في حديث إلى B.B.C قال غربيال بوليتيس وهو يهودي لبناني من مدينة صيدا في الجنوب، يقيم حاليا في كندا، ان يهود لبنان شعروا بعد العام 48 انه لم يعد لديهم مستقبل في المنطقة بعد ان تصاعد جو العداء لليهود.
فغادر لبنان عندما كان عمره 18 عاما وذلك عام 1968 . ومنذ ذلك التاريخ لم يزر لبنان لكن ابنته التي تبلغ اثنين وعشرين عاما امضت شهرا فيه ،وهي تتعلم اللغة العربية في الجامعة في كندا بعدما ابدت اهتماما للتعرف على اصلها اللبناني.
اما البير سيدي المقيم حاليا في كندا أيضًا فقال ان لبنانيين كثر يعتبرون اليهود اسرئيليين على رغم انه لم يزر اسرائيل يوما. وروى سيدي كيف ان اليهود اللبنانيين في الخارج يتواصلون عبر شبكة الانترنت، وصوروا أخيرًا فيلما تسجيليا عن ذاكرة اليهود اللبنانيين، هو عبارة عن مقابلات مع كبار في السن عاشوا سابقًا في لبنان.
ومن آخر الأشخاص اليهوديين الذين بقوا في بيروت، ليزا التي مازالت تقيم في وادي أبو جميل وترفض رفضاً قاطعاً مغادرة لبنان. والمعروف أنها لاجئة من أيام الحرب الأهلية وهي تسكن حالياً في مبنى مهجور قرّرت سوليدير تدميره. وقد تكون آخر شخص يهودي يعيش في وادي أبو جميل. تشدّد ليزا على مدى أهمية الهوية اللبنانية بالنسبة إليها حيث أنها تعيش وحدها مع مجموعات من الهررة الأليفة.
وتستعيد ليزا ذكراياتها قائلة “في صغري، كانت عائلتي تصحبنا في نزهات إلى بحمدون وكنت ألعب مع أولاد من عائلات مسيحية ومسلمة ودرزية. بالنسبة إلي، كيهودية، إن إمكانية التعاطي مع فتيات وفتيان مسيحيين ومسلمين بدون التفكير بأي أبعاد، تجعلني لبنانية كأي شخص آخر.”
وتعتقد ليزا أنه من المستحيل إعادة إنعاش المجتمع اليهودي في لبنان. فقالت “يتعذّر عليّ، كيهودية، أن أشعر بالانتماء التام إلى هذا البلد. أنا لبنانية بكل معنى الكلمة لكنني منبوذة لأن الناس يظنّونني إسرائيلية أو صهيونية أو عميلة لدى الموساد.”

حتى أن أسلوب الحكومة في التعريف عن اليهود يذكّر ليزا بنبذ المجتمع اللّبناني لها. “الحكومة تخشى أن تسجّلني كيهودية. فأنا ′موسوية′ لأنّني أتبع موسى، لكن أتباع موسى هم من اليهود، فلم لا أستطيع أن أكون يهودية؟ لأن السبب يعود للمشكلة مع اسرائيل. فإن تمّ حلّها، تصبح أموري على ما يرام.”
في كتابها الصادر تحت عنوان “يهود لبنان: بين التعايش والنزاع”، وصفت كريستن شولز التسييس السريع لمسألة الفلسطينيين واليهود في لبنان بعد الحرب. “إن اليهود الذين كانوا يخشون مواجهة ردود فعل عنيفة من متعاطفين فلسطينيين ولبنانيين بسبب هزيمة العرب، طلبوا الحماية من حزب الكتائب. والمناخ العام الملبّد بالخوف قد خفّض عدد السكان اليهود إلى 3000 شخص بعد حرب 1967 وبعد السنة الأولى من الحرب الأهلية في العام 1976، بقي ما بين 400 و500 يهودي فقط في لبنان”.
عندما اجتاحت إسرائيل لبنان بدخول بيروت في صيف 1982، عرضت الحكومة الإسرائيلية الهوية الإسرائيلية على من تبقّى من اليهود اللبنانيين. ووفق تقرير صدر عن الصحيفة اليومية البريطانية ذو تايمز The Times في آب من ذلك العام، لم يقبل أي يهودي لبناني بهذا العرض. من ناحيتها، أكّدت ليزا على ذلك بقولها “عُرضت عليّ الهوية الإسرائيلية، عندما أتى آرييل شارون إلى بيروت. ولم أكن الوحيدة التي رفضتها آنذاك. لست ولن أكون إسرائيلية أبداً.” في الواقع، لم تكن الصهيونية جذابة بالنسبة لأغلبية اليهود العرب الذين هربوا إلى إسرائيل، لكن لم يكن هناك أي بلد آخر مستعدّ لاستقبالهم كلاجئين.
لعل الورقة البيضاء في صندوق اقتراع دير القمر تذكير للبنانيين بعامة والدولة اللبنانية بخاصة أن عدد طوائف لبنان 18 طائفة ضمنها الطائفة اليهودية وأن الدستور اللبناني يكفل حرية المعتقد الديني والمذهبي وأكثر من ذلك إن الوجود اللبناني اليهودي في لبنان حقيقة لا يمكن انكارها من أحد…

أبرز المحطات التاريخية في تاريخ يهود لبنان
القرن السادس عشر، بدأ عدد اليهود بالتزايد بعد قدومهم من أسبانيا
القرن السابع عشر، قدوم عدد كبير من اليهود و إستقرارهم في لبنان
القرن التاسع عشر، قدوم عدد كبير من اليهود الى جبل لبنان من انحاء الأمبراطورية العثمانية و إستقرارهم في لبنان كمواطنين لبنانيين
أواخر القرن التاسع عشر، قدوم عدد كبير من اليهود الى لبنان من سوريا و اليمن
1904 يهود لبنان يحصلون على إعتراف السلطات العثمانية بحقهم في ممارسة شعائرهم إسوة بكافة اللبنانيين
1924 الدستور اللبناني يكرس حقوق الطائفة اليهودية في لبنان
1940 مظاهرة للمواطنين اللبنانيين من كافة الطوائف إحتجاجاً على قمع سلطات حكومة فيشي لاخوانهم اللبنانيين من الطائفة اليهودية
1945على إثر صدور قانون مقاطعة البضائع الصهيونية، يهود لبنان يؤكدون عبر مجلسهم الأعلى إنتمائهم وولاءهم للبنان
1946 زيارات تضامن من كافة الطوائف مع اليهود اللبنانيين بعد تعرض كنيس يهودي لإعتداء
1948 المجلس اليهودي في لبنان يحصد التعاطف الشعبي الكبير بعد حملة لجمع التبرعات لإغاثة بعض الفلسطينيين العالقين على الحدود اللبنانية
1949 بعد توقيع إتفاقية الهدنة اللبنانية الإسرائيلية ، تم السماح لعدد قليل من اليهود اللبنانيين (الراغبين في ذلك) بالهجرة الى داخل إسرائيل
1949، 1972 هجرة عدد كبير من يهود لبنان (حوالي 6000 لبناني) الى أستراليا و كندا بحثاً عن فرص عمل أفضل بعد سلسلة من المضايقات الأمنية

Advertisement